أعتقد أنه قد آن الآوان لأن نوجه تحياتنا وإعجابنا الشديد بديمقراطية صحيفة الأحرار التى أتاحت لجميع الآراء المعارضة الفرصة فى الرد رغم التجاوزات التى تقع أحيانا دون أدنى تدخل من الجريدة .. ويكفى لها شرفا أنها أتاحت الفرصة أمام بعض الناصريين للرد على مايثار حول الناصرية .. على الرغم من أنه من سابع المستحيلات أن تسمح جريدة ناصرية لأى معارض أن يكتب ولو كلمة واحدة ضد الناصرية .. بل إن تلك الصحف الناصرية والشيوعية ربما لاتسمح لهؤلاء الذين ترتفع أصواتهم فى صفحة الرأى بجريدة الأحرار دفاعا عن الناصرية بالكتابة حتى فى البريد ؟؟ ثم أود أن أؤكد للأستاذ شعبان خليفة الذى كتب منتقدا الحوار الذى دار بينى وبين بعض الناصريين رغما عنى .. أنه لاداعى مطلقا من الإنزعاج على مستقبل مهنة الصحافة بسبب ما أستخدمه أنا ــ وأعوذ بالله من كلمة أنا ــ من ألفاظ خادشة لحيائه وحياء بعض الأخوة الصحفيين الأبرياء الأنقياء الأتقياء .. أقول له ولغيره من الأخوة المنزعجين إن الصحافة العالمية واللبنانية والمصرية مازالت والحمد لله منابر خير وفضيلة .. تدعو إلى كل معروف وتنهى عن منكر وتؤمن بالله وترعى حرمات الله .. فعندنا والحمد لله منبر حريتى والشبكة والميدان والموعد وأخبار الرياضة وأخبار الحوادث وصفحات الحوادث والصحة والجمال والوطن العربى والدستور وطبيبك الخآص والعديد من المنابر الصحفية التى يستحيل أن تجد فيها كلمة واحدة مكشوفة أو خادشة للحياء ولا صورة عارية ولا أى شىء من هذا القبيل .. فلماذا الإنزعاج إذن من خطاب كاتب هاو أو مغمور أو كاتب لايعبره أو يقرأ له أحد على الإطلاق اللهم إلا على سبيل الفكاهة كما تقول بعض الأسماك الناصرية الميتة على حد تعبيرك الرائع .. على العموم فحتى لو كان الناصريون يقرأون مقالاتى على سبيل التفكهة والتندر فهذا شىء جميل .. لأن إضحاك العيال مندوب إليه شرعا .. وللفكاهة اليوم مسارح وكتب ومجلات بل وصحف وأحزاب سياسية أيضا .. ؟؟ ومن باب الفكاهة أقول أن الأستاذ شعبان خليفة أراد أن يكحلها فأعماها .. أو أراد أن يعلمنا الأدب فى الحوار .. فعلمنا العكس .. فقد ذهب أولا إلى وصف ما دار بينى وبين تلك الأسماك الناصرية الميتة .. وصفه ( بالحوار الوقح ) .. ثم وصفنى سامحه الله بالبلطجى بعد أن أكد ابتداء أننى كاتب هاو ؟؟ ثم اتهمنى بالإنتفاخ لأننى ظننت أننى صاحب السبق فى إثارة قضية د.حسن حنفى مع أننى أعلم يقينا أنه لولا تعقيب أمين جبهة علماء الأزهر على المقال لما كان لمقالى عشر معشار هذا الأثر فقد سبق لنا أن أثرنا تلك القضية على صفحات جريدة العروبة والنور منذ سنوات ولم تحدث أية ضجة .. ثم أننى لو أردت بالفعل أن أصل للقارىء بأى شكل .. لما رفضت الرد على الكاتب الناصرى حسنين كروم .. بعد أن أصر على استفزازى وذكر اسمى كاملا فى صحيفة الأسبوع ثلاث مرات .. ولو كنت باحثا عن الشهرة لرددت على الأستاذ صلاح عيسى الذى كتب ينتقدنى ويحرض ضدى صراحة فى صحيفة العربى الناصرى .. وبالتالى فقد ظن الأستاذ شعبان خليفة بى الظنون ، .. والمهم أننى أصبحت فى عرف الأستاذ شعبان خليفة الذى أراد أن يلعب دور المصلح الإجتماعى والكاتب الموضوعى .. كاتب هاو وبلطجى ومنتفخ .. بينما ذهب إلى وصف الطرف الآخر بالأسماك الميتة .. وهو مائؤكد كلام الشاعر الذى قال (( وداونى بالتى كانت هى الداء)) ؟؟ والأستاذ شعبان خليفة يرى أننى بحديثى عن الناصرية .. أعالج ألم الأظافر بينما القضية سرطان يتفشى فى الجسد كله على اعتبار أنه لايوجد من الأساس مذهب فلسفى اسمه الناصرية .. وهذا صحيح .. وقد ذكرت ذلك فى مقالى السابق .. ولكن هناك ناصريون يعيشون بيننا .. وهذا حقيقة لايستطيع الأستاذ خليفة أو غيره أن ينكرها .. وهؤلاء الناصريون يمارسون كل أنواع الشعوذة الفكرية وتغييب العقل وقتل الوعى الديمقراطى الصحيح ، والترويج لعبادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر تحت عناوين كان الرئيس عبد الناصر أول من فشل فى تحقيقها بل وعمل فى كثير من الأحيان على وأدها واهدارها .. وبالتالى يظل التصدى لتلك الفئة المنحرفة مطلبا شرعيا ووطنيا .. لحماية دعوة التوحيد أولا من هذا الشرك الجلى .. ثم حماية الوطن من هذا التخريب السياسى والإجتماعى .. فمآل ماتدعو إليه هذه الفئة الناصرية المنحرفة فى النهاية هى تكريس حكم الفرد وعصر الهزائم باعتباره العصر الذهبى للوطن الذى تحقق فيه الحلم القومى والإستقلال والوطنية والوحدة إلى آخره ؟؟ وماقاله الأستاذ شعبان خليفة من ضرورة الإرتقاء بالحوار إلى مساره الطبيعى نصيحة طيبة نقبلها دون مشاغبة .. وفى المأثور (( خذوا الحكمة ولو من أفواه المجانين )) ، ولذلك نقول إن الرئيس جمال عبد الناصر كان زعيما سياسيا من الدرجة الأولى .. وكانت لديه مواهب شخصية عظيمة فى حشد الجماهير المصرية والعربية .. وكان يستطيع بالمقومات الهائلة التى أتاحها له القدر أن يلم شمل الدول العربية والإسلامية عن طريق الصدام المدروس والمعد له جيدا ؟؟ لكن عبد الناصر للأسف الشديد لم يتجاوز دائرة الزعامة السياسية الثورية .. أو دائرة الخطابة وإثارة العواطف الوطنية والقومية والصدامية مع الأعداء .. لم يغادر هذه الدائرة أبدا .. وكان يجب عليه أن يترك الساحة وأن يتوقف عند هذا الحد ليلحق بأمثال مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول ( والذى فقد هو الآخر جزءا كبيرا من هذه الزعامة الوطنية حينما دخل محك التجربة ونزل إلى أرض الواقع فخسر حتى أقرب الناس إليه ) وغيرهم .. كان يجب أن يتوقف عند هذا الحد .. لكن الذى حدث أن السلطة استهوته كما استهوت من قبله حتى بعض كتبة الوحى الإلهى فى التاريخ الإسلامى .. واستولت عليه الرغبة فى تحقيق أمجاده الشخصية .. فسخر تلك القدرات والمواهب فى تحقيق طموحاته الشخصية على حساب الوطن .. فتحول من زعيم سياسى كبير من الدرجة الأولى إلى حاكم دولة ديكتاتور من الدرجة العاشرة .. ولكنه ظل مع ديكتاتوريته يلعب دور الزعامة .وإلهاب حماس الجماهير حتى يخيل إليهم أنهم أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من السيطرة على الكرة الأرضية .. ثم لاتلبث تلك الجماهير أن تحصد الهزائم التى قضت على المستقبل الحقيقى للعرب .. يتحدث عن الفقراء والمساكين والعمال والفلاحين وعن الآمال العريضة والأحلام الجميلة التى يتمناها لهم .. ثم نراه كحاكم دولة .. يهدر كل ثروة مصر من سبائك الذهب لتحرير اليمن والكونغو والجزائر من القوى الرجعية والملكية الفاسدة .. كان يناصر الفقراء والعمال والفلاحين بالإستيلاء على أموال الأغنياء .. بينما يسخر ثروة مصر فى خدمة طموحاته الشخصية .. فهل كان عبد الناصر حقا يعمل لمصلحة العامل والفــــــــلاح والفقير .. ؟؟ والزعيم عبد الناصر هو أيضا الذى ألهب مشاعر العامل والفلاح بتخصيص نسبة خمسين فى المآئة على الأقل فى المجالس التشريعية .. بينما نرى أن عبد الناصر الحاكم المستبد هو الذى عطل كل مظهر من مظاهر الحياة النيابية وأهدر كل الحقوق الدستورية التى اكتسبها الشعب فى عهد الملكية الفاسدة .. واتخذ كل القرارات المصيرية بنفسه ودون الرجوع إلى العمال والفلاحين أو قوى الشعب العاملة ؟؟ فهل كان عبد الناصر حقا حريصا على ممارسة العامل والفلاح لحرية الرأى وحكم نفسه بنفسه ؟؟ والزعيم عبد الناصر الذى يحرك الشجون والمشاعر ويشعل جذوة الوطنية والقومية والشعور العروبى الوحدوى .. هو ذاته الحاكم المستبد الذى شتم وسب كثيرا من ملوك ورؤساء الدول العربية التى اختلف معها .. وهو الذى حرض ضدهم وأثار مخاوفهم من مجرد الإقتراب من مصر أو مد يد المساعدة .. ففشل فى تحقيق أى شكل من أشكال الوحدة ؟؟ وهكذا نجد أنفسنا أمام حآلة من الإنفصام فى الشخصية .. بين زعيم سياسى أحبه الناس أشد مايكون الحب حين وعدهم بمجتمع الحب والكرامة والعزة و بالفردوس المفقود .. وبين حاكم مستبد كرهه الناس أشد مايكون الكره .. حين انتهت سياسته الفاشلة إلى مجتمع الكراهية والذل والهوان .. حين ساق الأمة إلى مفاوز الضياع والدمار وفشل بكل المقاييس فى تحقيق مايسميه الشيوعيون والناصريون بالحلم القومى ؟؟ولذلك كانت ومازالت قلوب الناس مع الزعيم عبد الناصر .. بينما كانت ومازالت عقولهم عليه .. ؟؟ وليس كل زعيم سياسى ووطنى يصلح لأن يكون حاكما .. وليس كل حاكم دولة زعيما سياسيا .. وقليل من البشر من يصلح لأن يجمع بين الزعامة السياسية والحكم الصحيح .. والسادات مثلا لم يكن زعيما سياسيا بدرجة كبيرة .. فلم تكن لديه القدرة على الحشد الجماهير وإلهاب الحماس .. بل كان يكتسب بعد كل خطاب له المزيد من الأعداء .. على عكس عبد الناصر ولكنه كان فى مجال الحكم والسلطة أعظم بكثير من عبد الناصر .. من حيث قدرته على السيطرة على من حوله .. ومن حيث اتخاذ القرارات الأكثر مصلحة لمصر .. فلم يتورط مثلا فى حروب خائبة أو قرارات عشوائية .. على الأقل فى فترة حكمه الأولى .. والسادات فشل كزعيم فى حشد الجماهير حول أى مشروع قومى على الرغم من أنه بنى مدنا صناعية عظيمة أعادت للصناعة المصرية بعض أمجادها وسمعتها التى أضاعتها سياسة عبد الناصر .. مع أن الخطاب الناصرى كان يستطيع أن يلهب مشاعر الجماهير حتى عند حفر بركة أو شق ترعة .. والسادات فشل كزعيم سياسى فى تحقيق مزيد من الشعبية حينما أدخل مصر ولأول مرة إلى عصر الحريات والأحزاب .. وراح السادات نفسه ضحية لتلك الحريات .. بينما نجح عبد الناصر فى كسب مزيد من الشعبية كلما اتخذ خطوة نحو وأد الديمقراطية رافعا شعار القضاء على أعداء الشعب وأعوان الإستعمار .. وفقد الناس فى عهد عبد الناصر الشعور بضرورة بجدوى الحريات السياسية .. وحينما انهزم عبد الناصر الهزيمة القاتلة فى 67 .. كان الناس أقرب إليه من السادات حين انتصر فى اكتوبر .. وهذه حقيقة مرة .. هكذا أيضا كان الرئيس مبارك حاكما أكثر اعتدالا وحكمة فى تصريف شئون البلاد من عبد الناصر .. لكن لم يستطع حشد الجماهير مثلا حول مشروع قومى ضخم مثل مشروع توشكى أو ترعة السلام ؟؟ ويبقى بعد ذلك أن نؤكد بأن القول بأن عبد الناصر قد أفضى إلى ما قدم وبالتالى لايجوز شرعا الحديث عنه لا بالخير أو الشر كما فهمت من كلام الأخ عبد الرحمن بن لطفى .. فهو قول خاطىء لأن الزعماء والقادة والشخصيات التاريخية والإعتبارية لهم خصوصية شرعية تجيز ذلك بل تجعله واجبا .. والقرآن ذاته حدثنا عن فرعون وقارون وأبى لهب وغيرهم .. لاسيما إذا كانت هناك فئات منحرفة تتبنى أفكارهم ووسائلهم وغاياتهم .. ثم إننى أتساءل .. عبد الناصر أى الذى قد أفضى إلى ما قدم ؟؟ أما عبد الناصر الإنسان الأب والزوج والأخ لاعلاقة لنا به من قريب أو بعيد .. ولكننا نتحدث عن تاريخ وسياسة وشخصية عبد الناصر الإعتبارية .. ولو أردنا مزيدا من الموضوعية فى الحديث عن عبد الناصر فلا بد أن نحدد الفترة الزمنية التى نتحدث عنها .. لأن ناصر 48 ـــ 52 حيث كان مجاهدا بطلا فى فلسطين .. يختلف عن ناصر 52 ــ 54 حاقدا متآمرا .. يختلف عن ناصر 56 ـــ 67 ديكتاتورا مستبدا مقامرا بمستقبل الأمة لايرى إلا ذاته .. يختلف عن ناصر ما بعد 67 .. والذى ذكر عنه الأخ عبد الرحمن بن لطفى أنه نادى بضرورة العودة إلى الدين .. ولكن يا أخ عبد الرحمن أنت تعلم قبل غيرك أن التوحيد لاينفع عند المعاينة .. ألم تر إلى فرعون حينما قال وهو يوشك على الغرق آمنت بالذى آمنت به بنو اسرائيل وأنا من المسلمين .. فقال له رب العزة معلما ومحذرا الطغاة من بعده { الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين - فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون } يونس والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته بقلم : محمد شعبان الموجى